اخصائي نفسيالأسبوع العربيالأسرة والطفلمقالاتمنوعات

ابنك ليس نسخة من الآخرين

ابنك ليس نسخة من الآخرين
دينا أسامة تكتب..

غاليتي الأم، لا تجعلي طفلك يقيس نفسه بحياة الآخرين

غاليتي الأم..

أنت لا تربين طفلا يعيش في عالم صغير كما كان يحدث قديما؛ فقد أصبحت أعين أبنائنا ترى كل يوم آلاف الصور والقصص ومظاهر النجاح، وأصبح الطفل يقارن نفسه ليس بزميله في المدرسة فقط، وإنما بأطفال لا يعرفهم، يعيشون في شاشات الهواتف.

يرى طفلا يملك ألعابا أكثر منه، وآخر يحصل على درجات أعلى، وطفلة تبدو أجمل في الصور، وطفلا يتحدث بثقة، وآخر يمارس رياضة لا يستطيع هو ممارستها، ثم يبدأ السؤال في داخله:

لماذا لست مثله؟

وهنا يأتي دورك.

علمي ابنك أن نجاح الآخرين لا يعني فشله، وأن اختلاف الناس ليس نقصا في أحد.

قال الله تعالى:

﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾

فالله سبحانه وتعالى لم يجعل الناس نسخة واحدة، ولم يوزع المواهب والقدرات بالطريقة نفسها.

هناك طفل يتفوق في الحساب، وآخر يبرع في الرسم، وثالث يتميز في التعامل مع الناس، ورابع يمتلك قدرة جميلة على مساعدة الآخرين.

وقد لا يكتشف الطفل موهبته إذا ظل مشغولا طوال الوقت بالنظر إلى ما عند غيره.

غاليتي الأم..

هناك فرق كبير بين أن تعلمي طفلك أن يتعلم من الآخرين، وبين أن تجعليه يقارن نفسه بهم.

حين تقولين له:

«انظر إلى زميلك، لقد سبقك.»

فقد يسمع الطفل رسالة مختلفة عما تقصدينه:

«أنا لا أكفي.»

أما حين تقولين:

«انظر إلى ما أحسنه، ماذا يمكن أن تتعلم منه؟»

فأنت تعلمينه أن نجاح الآخرين يمكن أن يكون مصدر إلهام، لا سببا للشعور بالنقص.

وهذه قيمة يحتاجها أبناؤنا بشدة في عصر وسائل التواصل الاجتماعي.

فما يظهر أمام الطفل على الشاشة ليس حياة الإنسان كاملة، وإنما لحظات مختارة منها.

صورة جميلة لا تخبرنا عن يوم كامل.

وابتسامة أمام الكاميرا لا تخبرنا عن كل ما يعيشه صاحبها.

وطفل متفوق في مقطع قصير لا يخبرنا عن الساعات التي قضاها في التعلم والتدريب.

لذلك علمي ابنك ألا يقارن حياته الواقعية بصورة منتقاة من حياة شخص آخر.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز».رواه مسلم.

وما أجمل أن نربي أبناءنا على هذا المعنى: أن يسعوا فيما ينفعهم، وأن يستعينوا بالله، وألا يجعلوا تعثرهم سببا للاستسلام.

فبدلا من أن ينشغل طفلك بالسؤال:«من أفضل مني؟»

علميه أن يسأل:«ماذا أستطيع أن أتعلم اليوم؟»

غاليتي الأم..

انتبهي أيضا إلى الكلمات التي تتكرر في البيت.

«أختك أذكى منك.»

«ابن خالتك أفضل منك.»

«انظر إلى ابنة فلان كيف أصبحت.»

قد تظنين أنك تحفزين طفلك بهذه المقارنات، لكن الطفل قد يحملها في قلبه سنوات.

وقد تتحول المقارنة المستمرة إلى غيرة من إخوته، أو شعور دائم بالنقص، أو بحث مستمر عن قيمة الذات من خلال نظرة الآخرين إليه.

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم».رواه مسلم.

فعلّمي أبناءك أن قيمة الإنسان ليست في مظهره وحده، ولا في درجاته، ولا فيما يملكه، ولا في عدد الإعجابات التي يحصل عليها.

القيمة الحقيقية أوسع من ذلك بكثير.

علميهم الصدق، والرحمة، والأمانة، والاجتهاد، وحسن الخلق، ومساعدة الآخرين. ثم ساعدي كل طفل على اكتشاف نقاط قوته الخاصة.

اسأليه:

ما الشيء الذي تستمتع بتعلمه؟ ما الشيء الذي تشعر أنك تتقدم فيه؟ ما الصفة التي تحبها في نفسك؟ ما الشيء الذي تريد أن تطوره؟

واجعلي المقارنة الأساسية هي بين الطفل ونفسه:

هل أصبح اليوم أفضل مما كان عليه بالأمس؟ هل تعلم شيئا جديدا؟ هل أصلح خطأ وقع فيه؟ هل حاول بعد أن كان يريد الاستسلام؟

هذه هي المقارنة التي تبني الإنسان.

غاليتي الأم..

لا تجعلي طفلك يكره نجاح الآخرين حتى يشعر أنه ناجح.

علميه أن يفرح لنجاح غيره، وأن يقول: «ما شاء الله، بارك الله له»، ثم يعود إلى طريقه ويسعى فيما ينفعه.

فالإنسان الواثق من نفسه لا يحتاج إلى إسقاط الآخرين حتى يشعر بقيمته.

وما أجمل أن يكبر أبناؤنا وهم يعرفون أن لكل إنسان طريقه، وأن تأخرهم في شيء لا يعني أنهم لن يصلوا، وأن تفوق غيرهم لا ينتقص منهم، وأن الله تعالى قد أودع في كل إنسان قدرات ونعمًا تستحق أن يكتشفها ويشكر الله عليها.

غاليتي الأم..

لا تربي طفلا يريد أن يكون نسخة من غيره.

ربي إنسانا يعرف نفسه، ويقدر نعم الله عليه، ويتعلم من الآخرين دون أن يفقد ذاته، ويفرح لنجاح الناس دون أن يحتقر نفسه.

اللهم ارزق أبناءنا نفوسا مطمئنة، وقلوبا راضية، وهمما تسعى فيما ينفعها، وأعينًا ترى نعمك وتشكرها.

دينا أسامة
كاتبة بقلب أم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى